المكتبة المصطفاة

542852462967

عبدالله بن عمر – صحيفة الرياض

كان للعقاد مكتبةٌ صغيرة في منزله بأسوان يسميها “غرفة الإسعاف” تضم بضع مئاتٍ من المراجع التي كان يرجع إليها باستمرار، بغض النظر عن باقي مكتبته الضخمة التي تبلغ جملتها عشرات من آلاف الكتب، وقد سبقه “بلينوس الأصغر” إلى هذه الفكرة في القرن الأول بعد الميلاد، حين وصف حائطاً في منزله الريفي بقوله: “حائط علقت فيه رفوفاً كما في مكتبة، بوسعي أن أضع عليها كتبي التي قرأتها وأعدت قراءتها”، ولحق بالعقاد في ذات الفكرة قوم آخرون، فهاهو “ألبرتو مانغويل” يقول: “كنت أفكر أحياناً بامتلاك مكتبة لا تضم سوى كتبي الأكثر تداولاً”.

ولما زرت “د.عبدالكريم بكار” في منزله هالتني ضآلة مكتبته، فهو لا يحتفظ فيها إلاّ بالكتب التي يغلب على ظنه أنّه سيعود إليها في المستقبل، أما الباقي فقد كان يتخلص منه بتقديمه لمن يستفيد منه.

إن مكتباتنا تتحول في أحيان كثيرة إلى مستودعات، تستهلك مساحة من المنزل، وتشكل بيئة جاذبة للغبار والأرضة، والجرذان ربما، كما تشكل عبئاً في حال الانتقال من المنزل، وفي حال الانتقال عن الدنيا إلى الآخرة!، وقد حكى لي مرة أحد المثقفين إنه لم يمس بعض الكتب في مكتبته منذ ستة عشر عاماً، ولو تفرغ لها لتخلص من نصفها!

وقد أقنعتني تجربتي الشخصية بأهمية اتخاذ المكتبة المصطفاة، بعدما انتقلنا من منزلنا إلى منزل آخر، ووضعت كتبي في صناديق لم تُفتح منذ خمس سنوات، وتشكلت بدلاً منها مكتبةٌ جديدة! ثم انتقلت ثانيةً فتشكلت مكتبة ثالثة، وأخذت تنمو وتتمدد في هدوء ماكر!

ولو قيل لي الآن: إنك مسافر سفراً طويلاً إلى بلاد العم سام، وليس مسموحاً لك بحمل أكثر من حقيبتين؛ فماذا سوف أفعل؟ سأضع ثيابي ومستلزماتي الشخصية في حقيبة، وسأحشو الثانية بكتب، تلك الكتب المحشورة في حقيبة، هي المكتبة المصطفاة.

جدير بالمرء أن يعرف جيداً كتبه المصطفاة، فيميزها بمكان من مكتبته، أو يقدم على الخيار الثوري، وهو: أن يجمع تلك الكتب المصطفاة، ويتخلص ببساطة من كل ما عداها، بإيداعها في مكتبة للكتاب المستعمل، أو إهدائها لمن يستفيد منها.

مساعدة